إستعمال الدين.. مظاهر وأسباب ونتائج وعلاج

إستعمال الدين.. مظاهر وأسباب ونتائج وعلاج
إستعمال الدين.. مظاهر وأسباب ونتائج وعلاج

لقد كانت البشرية على أديان شتى يعبد كل شخص وكل قبيلة وكل عشيرة إله يعتقد فيه القيادة إلى مبتغاه، حتى منهم الذين يعتقدون القربة منه إلى الله.

فبعث الله الرسل وعلى رأسهم خليله محمدا صلى الله عليه وسلم لدرء هذا الشرك، والتدين بتوحيد الله دون إشراك غيره معه، ولتوطيد ذلك أحاطه بتشريعات كلها تصب في قالب التدين، حتى أصبحت التزامات المسلم دينا يتقرب به إلى الله، يلبسه لباس التقوى ويلقي عليه رداء الوقار، وشعار الإيمان، ودثار الطاعة، وستار الصدق، وهيئة الإخلاص، وزي البر، لا يريد بذلك إلا ربه قال تعالى {يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (26)} سورة الأعراف.

لكن وبعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة حيث قوي جانب المسلمين ارتأى بعض المتوجسين أن يتغطوا برداء الإسلام ظاهرا فرارا من الضعف الواضح للكفر، فبدأت لوثة استعمال الدين كمبدأ نفاق من الكفر إلى الإيمان.

لأن وظيفة الدين أسلمة الأوضاع كلها، وتوطيد استقامة الناس على البر والإيمان وعمل الخير والأخلاق وغيرها،  ولذلك كان من مقاصده الهيمنة الروحية والنفسية والعقلية والجنسية والمالية على تصرفات الناس، فكانت حكمة الله في الرسالة بداية من العرب لبيان دورها في التحول الهائل الذي حصل للبشرية، لأن العرب كانوا همجا رعاعا تنفخهم صولة الأسد كالهر يسيطرون بها على النساء فقط، كانوا يعيشون حياة الغاب بسبب الاقتتال لأتفه المثيرات، تسفك دماؤهم أعواما عديدة وأعمارا مديدة، ويعتبرون ذلك من الشجاعة والعزة والكرامة بغير حق، بوهم ماكر، فكانت حكمة الله في بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم ليبين قيمته، فتغيرت ذهنياتهم وأخلاقهم رأسا على عقب وأصبحوا سادة الدنيا بدل أذيالها يتحكم في مصيرهم الفرس والروم واليهود والنصارى من حولهم، ولذلك من أسلم سخر نفسه له، ومن لم يسلم فلأنه أبى استعماله وعرف قدره، وهذا النفاق لم يكن في مكة لأن الغلبة كانت للشرك وأهله، لما يتميز به أهلها من قوة في صد كل مخالف لما توارث بينهم من العز والفخر حتى انتشرت قولة {ماذا تقول عنا العرب}{حتى تهابنا العرب} وغيرها، مما يشير إلى الاعتزاز بالموقف المتخذ من أي جديد مخالف ولو كان حقا، أما بعد هجرة المسلمين إلى المدينة وبروز قوتهم وغلبتهم، تأسست حركة المنافقين، الواقعين بين ضررين، إظهار الكفر ولا حول لهم لتغيير الوضع، أم إظهار الإسلام واستعمال مظاهر الدين والتدين اغتناما للفرص الدنيوية من هذه القوة الروحية الجديدة؟ 

قال تعالى {الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (141)} سورة النساء

وقال تعالى {وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا (72) وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَالَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا (73)} سورة النساء.

فورث العالم لوثة النفاق فانتشر استعمال الدين إلى يومنا هذا بمظاهر عديدة يمكن حصر أهمها في:

  1. التظاهر به في اللباس والهيئات والمناسبات المختلفة، والحكمة تؤول إلى أن من تزين بشيء ليس فيه فقد شانه.
  2.  استعمال الحكام له: إن استعمال الدين له تاريخ قديم، فبحكم انقياد المسلمين لدينهم سهل على كل القيادات في العالم الإسلامي استعمال العاطفة الدينية الجياشة لتمرير كل المشاريع المشبوهة، كثير من الحروب والثورات على المحتلين وعلى الأنظمة تنال حظها من النصر باسم الدين ثم يتم الانقلاب عليه، وكثير من المناهج وسمت بالدينية كي يتقبلها المسلمون والغرب يضحك على ذقونهم، كثير من الأنظمة العربية بعد استقلالها تتجه نحو الرأسمالية أوالاشتراكية ثم تستعمل المفتين أوما أطلق عليهم علماء البلاط للتبرير الديني لها، برر انتهاج الرأسمالية بالحرية في الإسلام، وبرر انتهاج الاشتراكية بالتعاون والاشتراك في الماء والنار والكلأ، كما وسم أبوذر الغفاري وعمر رضي الله عنهما بها في كثير من المقالات والكتب تحت عناوين "اشتراكية أبي ذر" و"اشتراكية عمر".
  3. استعمال الدين لدفع عجلة الزكاة بعد محاربتها: كثير من الأنظمة حاربت تنفيذ الزكاة والدعوات إليها من قبل العلماء العاملين الصادحين بكلمة الحق، لكن وبعد تيقنها من الرغبة الملحة للشعوب، وإفلاس مؤسساتها الاقتصادية والإنتاجية والصناعية وانتشار الفقر الذي لم يحم منه المصابون به، لجأت إلى إصدار القوانين المنظمة لها إرضاء لعاطفة الشعوب، وتحقيقا لقفزات اقتصادية وتنمية لصناديق مالية احتياطية موازية، فاستعملت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية لاستثارة تلك العواطف، وهي النصوص نفسها التي رفضت العمل بها قبلُ.
  4. تسخير العلماء: قد يصل أي شخص بالجهد والتعلم والاعتكاف على طلب العلم والتزام الشيوخ والعصامية والسماع وغيرها إلى أهرامات علمية عالية، تسمو إلى درجة الشهادة له بالاجتهاد، لكن مالم يقترن ذلك بالخشية من الله والفضيحة يوم القيامة والخوف على السمعة والكرامة من التدنيس، فإن كل العلم المحصل ستذهبه رياح الأيام، وقد وقع كثير منهم غفر الله لهم في ذلك، حيث ظلم الحكام كثيرا من الناس ثم كانت الفتاوى لتبرير ذلك جاهزة، أكثر من تجهيز التوضيحات القانوينة والتنظيمية، لعلمهم أن العاطفة الشعبية ليست مع غير الدين والتدين.
    إن كثيرا من هؤلاء استعملوا للأسف حتى لتبرير الانقلاب على أنظمة كانت تأمل فيها الشعوب قيادها إلى التأسيس للحكم بالتشريع الإسلامي، ومنه وقوف بعضهم مع الانقلاب ضد الرئيس المصري الدكتور محمد مرسي، ومنها تلك الفتاوى الجاهزة لتعليل تجويع الشعب القطري {وليس الأمير القطري} بمحاصرته اقتصاديا، ومع تسارع الأحداث تسارعت الفتاوى الجاهزة على الطائر كذلك، فأصبحت في نظر هؤلاء تتغير بتغير مزاج الملوك والسلاطين عوض أن تتغير اجتهاديا بتغير الزمان والمكان والظرف كما قعد الأصوليون، مع أن كثيرا من السكوت على الخطأ واقع من قبلهم جبنا أوخوفا، فأين الجهر بالحق تمكينا للدين؟
    فتاوى ودعوات تجميلا لكل نزوات الحكام خاصة تلك التي شهدتها بعض ليالي رمضان في المسجد الحرام ضد الدولة القطرية مساندة لقرارات الملك ووصفها بالسديدة والحكيمة، رغم أن شعوبا كثيرة كانت حاضرة للعمرة وليست معنية بهذا الخلاف ثم تجد نفسها في حرج التأمين خلف الإمام ولو معنويا.
    يخوض هؤلاء في مسائل أكبر منهم متحججين بالدعوة إلى الكتاب والسنة، فهل من الكتاب والسنة تجويع شعب؟ وقطيعة رحم؟ وتكبيل حرية الرأي، وإجبار العالم على قول ما لا يرغب؟
  5. استعمال الدين حالة الضعف المهني والعلمي: بلغني من غير راو واحد عن أحدهم يتأخر دوما في إنهاء البرنامج السنوي في مادة الأدب بالتعليم الثانوي بسبب الاشتغال بالكلام مع التلاميذ في مسائل الدين التي لها أستاذها الخاص، رغم تنبيهات هيئة التفتيش، تغطية على ضعفه في مادته وملأ لزمن الحصة.
  6. الطعن في علماء الحركة الإسلامية، ومنهم الشيخ القرضاوي مع استعمال مصطلحات البدعة والسنة وأحكام الخروج على الحاكم وغيرها لصد الكثير من المعجبين ثم إبعاد الشعوب عنها لأنها تقض مضاجع الخارجين عن العمل بأحكام الله في تسيير دواليب الحكم.
  7. أما قيادات الأحزاب الإسلامية فكثير منهم يستعملون الدين والكلام باسم الشريعة تمكينا لسلطانهم على أحزابهم تنويما لتابعيهم ومناصريهم مع أخطاء كثيرة وضعف واضح في الإشراف والتنظيم، وكواليس سرية مع الأنظمة قد لا تخدم التوجه، لا لشيء إلا لأنهم اعتادوا التربع على عرش القيادة الهرمية ولم يستسيغوا العودة إلى النضال القاعدي إلا من ألهمه الله منهم تقواه وخشيته حقيقة.
  8. ومنهم الشيعة المستعملون للمصداقية الشرعية والتاريخية والجهادية لسيدنا الحسين رضي الله عنه سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس إلا لأنه متزوج من فارسية اسمها شهر بانو شاه زنان بنت يزدجرد بن أنوشروان أهداها له سيدنا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
  9. وكالات سياحية تتاجر في أداء مناسك العمرة مع تكلفة باهضة للأسعار وانسحاب الدولة من ذلك وهذا باسم الدين كذلك.
  10. حافظون للقرآن يتاجرون به في الجنائز والمآتم غنما للمال، فحين يكون أهل الميت مجروحي المشاعر لفقده، تجد أتباع الطرق الصوفية المنحرفة يكرون وراء الحوز على ليلة أو ليلتين أوثلاث قراءة للقرآن على الميت بزعمهم نيلا نصيبا من المال يبتزون به أسرته، الذين يتحرجون من ردهم بسبب الهيمنة الدينية المكتسبة المستعملة، حتى ليخيل لكثير من العوام أن هؤلاء يتمنون الموت كل يوم للناس كي يظفروا بليال قرآنية مالية.
  11. آباء وأولياء يحرمون بناتهم الاستمرار في الدراسة ومنها الجامعية انطلاقا من الدين وهو من ذلك بريء، كالتخويف من عاقبة الاختلاط في الثانويات والجامعات، مع أن السوء قد يصل إلى البيت دون اللجوء إليه. 
  12. علمانيون ولائكيون يستعملون الدين لتخويف الحكومات والمنظمات والناخبين منه بأبشع الصور، متناسين فضائله على البشرية كلها، منتخبين الحالات التاريخية السيئة في التجربة البشرية للإسلام كالخلافات والحروب الناجمة عنها، وكأن العالم لم يخض حروبا لأسباب أخرى غيره، متناسين الخروقات الإنسانية ببعدها عن التشريع والمشقة الواقعة في الحياة بسبب البعد عنه، في أوربا وأمريكا وغيرهما، واهمين عن التجربة النبوية والراشدية، نجحوا بذلك في التأثير النفسي على الإسلاميين الذين راحوا يرضونهم بالتنازلات الكثيرة، مثلما حدث لإخوان الذين اتهموا بمحاولة أخونة مصر فقدموا تنازلات في الحكم أردتهم مابين قتيل وجريح وسجين.
    وبسبب كل ذلك سنحت الفرصة لهم بالدعوة إلى فصل الدين عن السياسة والحكم من منطلق إيديولوجي فتح جبهته المسلمون، حتى سمح أحدهم لنفسه القول "أينما حل الدين حلت المشاكل والاقتتال"
  13. دون أن ننسى الإشارة إلى المراوغات الغربية في هذا الشأن، إذ يرى العالم كله ويسمع عن المترشحين لاعتلاء سدة البيت البيض الأمريكي على سبيل المثال كيف ينحنون قبالة جدار المغاربة في فلسطين المسمى عند المحتل الصهيوني بـ{حائط المبكى}، نفاقا مع الطائفة اليهودية الأمريكية لكسب أصواتها.

أما أسباب ما سبق فمرده في رأيي إلى :

  1. الجبن والخوف على المصير: مثلما جبن المنافقين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ صدر منهم هلع كبير وتخوف مثير على مصيرهم لو لم يعلنوا إسلامهم رغم رؤيتهم الحرية التي منحها الإسلام للناس عقديا، مالم يعتدوا على غيرهم، فهؤلاء الخائفون على مصائرهم ليس لهم بد من استعمال مظاهر الدين تجنبا لأي مكروه في نظرهم.
  2. الحرص والخوف على الملك: إن الحرص على الدنيا مهلك كما صدر عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله  {فَوَاللَّهِ لاَ الفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَلَكِنْ أَخَشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُبْسَطَ عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا وَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ»} رواه البخاري ومسلم والترمذي وغيرهم.
    هذا مع المال فقط فمن باب أولى من غره الملك وحرص عليه، لكن من تربع على إمرة أهل ديانة كان من الحيل استعمال الدين للدوام عليها، من ذلك رهبان النصارى للسيطرة على مملكة الفاتيكان، وأحبار اليهود للسيطرة على معابدهم وأوهامهم، ومعممي الشيعة للسيطرة الروحية والحوزة الدينية على الأتباع.
  3. الأمراض النفسية: إن المرض النفسي والمعنوي شر مستطير على متشهي السيطرة وحب الظهور، لذا تجده يستعمل معاني الدين والتحدث بها لاستمالة الناس إليه والفوز بإعجابهم.
  4. الرغبة في إحكام القبضة على القيادة حكومات وأحزابا ومنظمات: وجدت بعض قيادات المنظمات الإسلامية يجهدون أنفسهم للبقاء فوق سدة القيادة، والوسيلة سهلة وهي استعمال الدين والتدليل بليّ أعناق النصوص للتوصل إلى هذا المبتغى.
  5. تغير أمزجة الحكام: حكام تتغير أمزجتهم بتغير المصالح والعلاقات، فما هو حق اليوم يصبح باطلا غدا، والعكس، وما هو صواب اليوم يصبح خطأ غدا، والعكس، وإقناع الناس جاهز بالفتوى الدينية.
  6. الكبر وغمط الحق: إن الكبر وغمط الحق من أعظم المصائب على النفس، قد تظهر المشكلة وحلها لكن مالم توافق نفسية الشخص وخاصة صاحب الهيمنة على الأسرة أوالهيئة أوالدولة أوغيرها أوأصحاب المصالح المختلفة، فلن يتم اعتمادها.

وقد تقتضي المصالح والرياسة والملك والسيادة قرارا معينا يجد منه مصدروه حاجة في النفس خشية ضرب عرض الحوائط به، فتجهز الفتاوى اللازمة لتمريره.

وكعادتي لا أعتبر ما ذكرته أسبابا حصرية، فقد يمكن لغيري تصور أسباب مقنعة كذلك.

أما النتائج التي أقدرها فهي:

  1. التراشق العقدي: أصبح كل يتغنى بليلى وليلى لا تقر لهم بذاك، تعددت الفئات ولكل منها منهج معين تدعيه وللانتصار له تتراشق مع المنافسين إثباتا للذات.
  2. التبديع: لمجرد مخالفة لما اعتاده غيرهم ولو من قبيل العادات وليس من العبادات، فقد رمى شيوخ في سنوات الثمانينات شبابا بالبدع لأنهم طبقوا بعضا من سنن النبي صلى الله عليه وسلم ولو في المظاهر وأشكال الصلاة، ثم نمت طوائف أخرى على هذا الأثر رمت بالبدعة غيرها ولو في تفصيل مختلف فيه ولن تصل البشرية إزاءه إلى إجماع أواتفاق، ووسيلة إثبات الذات عن كل هؤلاء هو التدين.
  3. التفسيق: وهو نتيجة التبديع، ولا أدري كيف يرمي المسلم أخاه بالفسوق؟ ومن هو الأحق بالحكم على التصرفات العالم أم الجاهل، ربما تكون الإجابة أن الجاهل الآن أصبح أكثر أهلية للحكم على  التصرفات من العالم الذي لا نراه في هكذا أمور إلا متريثا متزنا يرى الأمور بمآلاتها.
  4. التضليل: في أحسن الظنون عند بعض الحذرين منهم تستعمل لفظة الضلال للحكم على الأقران، لقد راج رمي كل مخالف به حتى آل الأمر إلى أن كل الناس ضالون في النظر القاصر لبعضهم.
  5. دوام الاستبداد: عندما استعمل الدين والأحكام المنسوبة إليه أصبح محرما مخالفة الأوامر فتمكن الاستبداد  لأن قداسته تقضي بعدم مخالفته، وإن صح هذا مع الوحي المعصوم فلن يصح مع مجرد أحكام أوقرارات حكام وقيادات ومسؤولين ما هم إلا بشر يخطئون أكثر مما يصيبون، حتى أصبح الحكام يرددون كلام الفصائل الإسلامية التي منها من يعتبر الزعيم أميرا تجب طاعته له منزلة كمنزلة الخليفة، معتبرين المعارضين لهم خارجين  على الدين بهذا ناسبين كل أحكامهم إليه.
  6. حمل العوام على العلماء: مما جنت علينا هذه الأوضاع أن تجاسر الدهماء والعوام والجهلة على العلماء العاملين المخلصين بدوافع عديدة كلها تصب في معركة استخدام الدين، فهذه أزمة العربي بين وباقي دوله أججت لهجوم وهراء قوي من جهلة على العلماء بدافع من آل سعود.
    وللأسف أنني قرأت مرة تعليقا لجاهل على منشور جاهل مثله يقول له فيه{يا أخي أنا لم أجرح عالما واحدا أيا كان بل أحترمهم وأحترم اجتهادهم ولا أختلف عنهم إلا بما اختلف عنهم الكتاب والسنة بفهم سلف الامة} انتبه أيها القارىء الكريم إلى عبارته {أنا لم أجرح عالما واحدا}وعبارته{ولا أختلف عنهم إلا بما اختلف عنهم الكتاب والسنة بفهم سلف الامة} جاهل يجرح العلماء ويختلف مع العلماء!!!! إلى أين نسير بربكم، وقد قارن من لا يستطيع تركيب جملة مفيدة ولا فهم آية ولا المقارنة بين الخبر والصفة نفسه بالعلماء، ومنح لها الاختلاف معهم في حال الاختلاف مع الكتاب والسنة وفهم سلف الأمة؟}
  7. الحرب الكلامية: ومنه انبرت الحرب الكلامية لتدليل كل على نحوه، فأصبنا بسفسطائية كسابقتها في التاريخ.
  8. حماية الحكومات لعلمائها واستعمالهم ضد أقرانهم: ولضمان الحماية الدينية اتجه كل حاكم إلى حماية علمائه الموالين له لاستمرار تزويده بالتبريرات لكل ما يتصرف ويقرر.
  9. اهتزاز ثقة الناس من عوام ومثقفين في قيمة العلماء: ومن الضير الناتج لذلك اهتزاز ثقة العوام وربما حتى المثقفين في علمائهم، وليت الأمر يقف عند علماء البلاط، إنما يتعداه في أحيان كثيرة إلى العلماء المخلصين بسبب مرض التعميم عند الناس.
  10. تأجيج زهد الناس في العلماء من قبل القوى المعادية: والنتيجة أن القوى المعادية من اللائكيين والعلمانيين وجدت ضالتها في التهجم على مقدسات المسلمين ومنهم العلماء، مع التشهير بفنانيهم ومغنيهم، لأن نقطة التحول الأولى استعمال الدين هي فاتحة الباب.
  11. التأسيس لمذاهب جديدة على غير أساس علمي والتعصب لها: ومن النتائج أن سهل على كل متعصب لفكرة تأسيس مذهب جديد يدعي العصمة له أوعلى الأقل أحقيته بالاتباع، وهذا ما رأيناه في الأحزاب كذلك ومنها الأحزاب المسماة بالإسلامية، مع استعمال كل الشبه الدينية لتبرير الانقسام.
  12. التمكين للضغط الحكومي وعدم استقلالية القرار العلمي: وهذا الأمر أسس لمزيد من التمكين لكل السلط خاصة في العالم الإسلامي العربي بعدما خنع بعض العلماء لهم فحدث مزيد من الابتزاز ، وأصبح القرار العلمي تابعا غير مستقل، ما هز الثقة فيه ولم يصبح مصدرا تشريعيا عند العوام والمثقفين.
  13. احتضان كل حكومة مؤتمرات تخدم موضوعاتها وتوجهاتها: كما كان العهد مع ملتقيات الفكر الإسلامي بالجزائر وإن كانت أكثر حرية في عهد الرئيس الشاذلي بن جديد على عكس الرئيس بومدين حين كان يحضرها كثير من المستشرقين وهي خادمة لتوجه الدولة فقط، ومثلها في كل بلد.
  14. تحريم الكلام في الحكام: مثلما هو حادث الآن في الإمارات التي منعت منعا باتا معارضة مقاطعتها لدولة قطر، مع إباحة كلام علماء البلاط في الشعوب وتحريم الخوض في الفتنة مع إباحة خوض علماء السلطان فيها.

إن أمراضا فتاكة بالأمة كهذه مصيرها في نظري كمصير المرض البدني لابد له من علاج ثم مداواة ثم استئصال الورم إن اقتضى الأمر كما يحدث في العمليات الجراحية.

إن أوضاعا مقطعة لقلب الأمة لا ينبغي سكوت أهل الفضل فيها عنها من علماء وحكماء ومثقفين وعاقلين كي لا يستفحل الداء وينخر جسدها فتندثر كما اندثرت أمم سابقة دكها مرض الطغيان بدواعي كثيرة، أسال دماءها وأهدر الخير الكامن فيها، وألقى بها الظلم الأدبي والمادي في غياهب التاريخ فأصبحت أثرا بعد عين.

إن علاج هذه العلل في تقديري يكمن فيما يلي {دون إعدام تقديرات أخرى قد ترد من مفكرين في الأمر}

  1. تلقي العلم الصحيح المفيد أن الدين للالتزام والإعمال لا للاستعمال: إن العلم الأعرج الذي يصاب صاحبه بالجهل المركب والعلم الناقص مما سبب كل ماسبق، فالعلاج أن تحرص كل الهيئات على تلقي المسلمين وطلبة العلم بالخصوص علما نافعا يحتفي بمتلقيه في أحضان تقوى الله وخشيته مع أي أحد، يتكون العالم به على الشجاعة كي لا يخشى في الله لومة لائم، ويعرج بالدين نحو الالتزام لا نحو الاستخدام.
  2. تربية الناس على قيمة الولاء لله تعالى: إن الشخص إذا أسلم أوورث الإسلام من الآباء فليوالي ويعادي في الله فقط، لذا كان لزاما تربية طلبة العلم على الولاء لله ولرسوله قبل الولاء لأحد.
  3. تصحيح الحركة الإسلامية مساراتها: لإنجاب أجيال تدين لله بالطاعة ولا تدين لغيره، ولا تلون حياتها بدين لم تلتزم به.
  4. مسارعة أهل الخير للالتفاف حول الحكام والمسؤولين لتكوين البطانة الصالحة لهم: إن مصيبة الحكام في البطانة التي تدلهم على الشر، لذلك أنصح أهل الخير والعلم منهم بالالتفاف حول الحكام لتبطينهم صالحا ودلالتهم على كل ما يخدم الأمة وينحو بهم إلى تحرير الأرض المقدسة التي بارك الله حولها.
  5. تخطي أئمة المساجد أنماط الدروس إلى مراحل وأشكال جديدة: من الفقه الشخصي إلى الفقه العام،  صحيح أن الإسلام دين شامل لكل شيء وفقهه لابد أن يعم جميع نواحي الحياة، إلا أن كثيرا من الأئمة يخوضون بشكل غير عادل في فقه الأفراد، على حساب فقه الأمة، والولاء، والعقيدة، وجودة العلاقة مع الله، وطبيعة العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وغيرها من الدروس التي تنقل مسامع المأمومين إلى اهتمامات عامة دون غمط حق احتياجات الوضوء والاغتسال والصلوات.

كما أوجه نصيحتي الخالصة الصادقة إلى المسلمين أن يتعلموا تطبيق أحكام دينهم فعليا والالتزام بها في كل وقت في السراء والضراء، وفي المصالح والمضار كي لا تنطلي صفة النفاق عليهم.

وأن لا ينخدعوا بتخويف اللائكيين من الدين كي لا يقعوا فريسة التنازل عنه بالضغط المعنوي.

ونصيحتي إلى العلمانيين أن ينظروا إلى كل الإسلام وليس إلى بعضه، إلى كل التطبيقات البشرية له لا إلى بعضها مما نخره بعض فترات التاريخ.
وأن لا يتلبسوا بالنفاق السياسي الذي به يسكتون عن الدين إذا تمكنوا، مع استخدامه وقت الضرورة الشعبية، ويثورون ضده إذا لاحت ملامح تمكنه أوتمكن فعلا.
حينها على ما أظن سنرى أجيالا من العلماء وحتى العوام وحتى الحكام الذين سيخرجون من أصلاب الأمة يخضعون للإسلام وأحكامه ويلتزمون بالدين له لا بالديانة لهم، يعملون به لا يستعملونه، نأمل معه انعدام كل المظاهر وأسبابها ونتائجها التي خلت، حينئذ يمكن لنا الحديث عن تحرر تام من التبعية، عن شجاعة وهيبة في الحق مع الأعداء قبل الأدعياء، آنئذ يمكن بسط رؤية مستقبلية لبناء حضاري حر مستقل لا يرعى إلا الأمانة التي حملناها الله تعالى في كتابه الكريم.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

التالى إيران الثورة لم تُسقِط الشاه !؟

ما رأيكم بالشكل الجديد للموقع؟

الإستفتاءات السابقة

إعلانات مدفوعة