أخبار عاجلة

عبد الكريم غلّاب.. مئة عام من الحياة

عبد الكريم غلّاب.. مئة عام من الحياة
عبد الكريم غلّاب.. مئة عام من الحياة

اختصر عبد الكريم غلاب، الكاتب المغربي الراحل الإثنين الماضي، والذي امتد به العمر إلى 98 عاماً، حياته في الكتابة، عاشها بها وفيها ومن خلالها.

على مسافة هذا المسار الطويل تألّفت حياته، هو المولود في سنة 1919، في مدينة فاس، حيث عاش هناك بداية شبابه دارساً في "القرويين"، قبل أن يغادرها وهو ابن 17 عاماً إلى ، للالتحاق بجامعة القاهرة، قسم اللغة العربية ويتخرّج منها، ويدرّس هناك فترة من الزمن. منخرطاً في المرحلة القاهرية بكل زخمها وفي أنشطة الطلاب وحركات التحرر الوطني، وهناك أيضاً تعرّف على الزعيم التونسي الحبيب بورقيبة، وربطته به صلات قوية، كما سيؤسس رفقته وآخرين من مكتب المغرب العربي لمساندة حركات الاستقلال الوطني.

هذا المكتب هو الذي عمل على تحرير رمز المقاومة المغربية عبد الكريم الخطابي يوم 1 يونيو 1947 عندما كانت الباخرة التي تقله من منفاه في جزيرة لارينيون إلى فرنسا، متوقفة في بور سعيد. وبالفعل جرى افتكاكه، بعد مناورة ناجحة قامت بها الحركة الوطنية المغربية مسنودة بالنخبة في القاهرة. وربما يكون هذا أول إنجاز ملموس لعبد الكريم غلاب ورفاقه في مكتب المغرب العربي، الذي سيتطوّر التنسيق فيه إلى مستوى أبعد بعد ذلك.

"
مرّت أعماله المتأخرة وسط تجاهل نقدي من التيارات الجديدة
"

لكن متطلبات النضال الوطني، وبداية المعركة من أجل الاستقلال، رفقة الزعيم علال الفاسي، ستدفعه إلى العودة للوطن، سنة 1948 ليباشر العمل السياسي المقرون بالعمل الثقافي من الداخل.

في القاهرة، التي ستضع بصمتها على روحه، تعلّم أبجديات الفعل النضالي، وطوّر إمكانياته الثقافية والمهنية في مجال الصحافة، مصاحباً في تلك الفترة عدداً من الأعلام وعلى رأسهم طه حسين، الذي سيترك فيه أثراً عظيماً. نتحدث هنا عن فترة أواسط الأربعينيات، حيث الساحة الثقافية في القاهرة تضجّ بالسجال، وينعكس صداها في صحافة ذلك الوقت.

هذا هو عبد الكريم غلاب من حيث النشوء والتكوين، مع محطات شخصية في تلك المرحلة، أهمها اعتقاله ثلاث مرات إبان الاستعمار الفرنسي، أولاها كان لا يزال في 15 من عمره. وكأن كل الوقائع في حياته الشخصية وفي محيطه كانت تدفعه إلى النضوج المبكّر والالتزام بقضايا عموم الشعب وسواد الناس.

ربما سيتجلّى هذا بشكل أكبر في أعماله الأدبية، خصوصاً في نصوصه الروائية "دفنا الماضي" و"المعلّم عليّ" و"شروخ في المرايا". لكن مهنة الصحافة كانت هي مهنته الأساس، في وقت لم تكن فيه فوارق كثيرة في مغرب الاستقلال وما بعده، بين العمل السياسي والممارسة الإعلامية، أو على الأقل لم يكن مسموحاً بهذا الترف في أوساط النخب الثقافية التي ولدت مجبرة على حمل راية الالتزام بقضايا الجماهير العريضة والتعبير عنها، والنزول معها إلى الميدان.

يعترف عبد الكريم غلاب أنه على المستوى الأدبي قد يكون تأخر قليلاً، قياساً إلى التجارب التي كانت مجايلة له، فهو لم ينشر أول رواية له "سبعة أبواب" إلا وهو في سن الأربعين، واستغرق الأمر وقتاً آخر قبل أن يصدر روايته "المعلم علي"، ثم "دفنا الماضي" ثم كرّت سبحة مساحة السرد ليصدر 12 نصاً روائياً كان أهم عنوان فيها في سنة 1994، أي روايته "شروخ في المرايا".

على مستوى الإنتاج القصصي، أصدر حوالى 10 مجموعات قصصية أول عنوان فيها مجموعة "مات قرير العين".

من حيث كم التراكم بالنسبة لكاتب غزير الإنتاج ومتنوع الاهتمامات، يكتب في التاريخ السياسي، وفي الاجتماع، وفي التجربة البرلمانية والدستورية، ومدير لصحيفة "العلم" أقدم اليوميات المغربية وأشهرها، وله بها زاوية يومية اسمها "مع الشعب".. من حيث كم المنتج الروائي، يبدو متناسباً مع مساره ككاتب وكسياسي، بل قد يبرز سؤال: كيف كان يجد الوقت لفعل كل ذلك؟

"
ينتمي لنخبة وجدت نفسها مجبرة على النزول إلى الميدان
"

فتوالي إصداراته ومركزيته في المشهد الثقافي فترة طويلة، وحضوره كفاعل فيه، منحه ريادة ربما لم تتأت لغيره، من كتّاب مروا سراعاً، أو لم تسعفهم سياقات اجتماعية وحياتية على المكوث طويلاً في المشهد.

ومع ذلك، لم يجعله منجزه الأدبي مصدر إغراء للأجيال الجديدة التي وفدت على الساحة الأدبية، خصوصاً في التسعينيات، حتى أنه كان مفاجئاً أن يستمر في إصدار كتبه في زمن ظهرت فيه إبدالات كثيرة ومرت مياه هادرة تحت الجسور، ولا سيما سنوات السبعينيات والثمانينيات وحرائقها.

في حين، ظهرت أشكال كتابية جديدة، وأسماء وافدة إلى مجرّة الإبداع مسكونة بهاجس التجاوز، وكسر الجاهز، والخروج على الكلاسيكي، بل والنقمة أحياناً على الطبقة السياسية السائدة والنخب التي تسبح في مجرّتها.

هكذا مرّت أعماله المتأخرة وكأنها لم تكن، وسط تجاهل نقدي، زكته التيارات الحداثية التي كانت تحبل بها الجامعة المغربية. هذا النقد الذي كان يتوجّه أكثر إلى الاحتفاء بالأعمال التجريبية.

لعلّ إقرار كتب الراحل عبد الكريم غلاب ضمن مقرّرات الدراسة في السلك الثانوي في المغرب، وخصوصاً "دفنا الماضي" و"المعلّم عليّ" لأكثر من أربعة عقود، نمّطه ضمن وسم الكاتب التقليدي، الذي ينتمي إلى "دقة" قديمة لم تعد تجد لها صيتاً في المشهد الثقافي المغربي العنيف، المهيمن عليه من قبل كتّاب اليسار، حيث تزدهر مقولات القطائع المعرفية بكل آلامها. 

في جواب عن سؤال، لماذا تأخر في الولوج إلى المشهد الروائي المغربي، يردّ غلاب، مبتسماً: ربما كان سن الأربعين هو مرحلة النضج.

مرحلة النضج تلك، ستجعل الكتابة عنده وظيفية أكثر، وسنداً رمزياً لخطاب وليست مجرد تسلية أو بوح ذاتي، حتى أنه يقول عن حضور الشخوص النسائية المتقشف في رواياته، بأن ذلك يرتبط عنده بفهم أخلاقي للكتابة ووظيفتها. وكأنه يوحي بأنه يحمل على كاهله ثقل مسؤولية ما، تربى عليها في حركة التحرير الوطني، وبعد ذلك من خلال المهام التي أسندت إليه إبّان الاستقلال، كوزير وسفير ونائب في البرلمان وعضو في أكاديمية المملكة المغربية ورئيس اتحاد كتاب المغرب لفترة طويلة، ونقيب الصحافيين المغاربة، وغيرها من المهام، التي لم تجعل منه روائياً متفرغاً، كما جعلت من أعماله الأدبية تنتمي تلقائياً إلى كلاسيكيات الرواية، ضمن منظور متحفظ، يتحرك في نطاق رقابة ذاتية حادة لا كشف فيها للذات ولا لأسرارها ولا وجود فيها للهوامش الضاجة كما هو الحال في أعمال محمد شكري ومحمد زفزاف ومحمد برادة، والتي كانت تدشن لأدب آخر لا شأن لعبد الكريم غلاب به.

"
كان محكوماً بالرغبة في تحقيق مغرب جديد، خارج من ماضيه المتأخر
"

حتى أنه أجاب بحياء ذات مرة عن علاقته بالمرأة وبالحب ومدى انعكاس ذلك في أعماله، بأن أعماله خالية من كل ذلك، يقول عن نفسه: "ربما كنت غشيماً".

عاد عبد الكريم غلاب وأصدر في عام 2006 رواية "لم ندفن الماضي"، وكأنه يردّ على عمله السابق "دفنا الماضي" (1966). وهو بالفعل ماضٍ يجب ألا يوارى الثرى سريعاً وعلى عجل، بل يمحص ويغربل من أجل حاضر شفاف ومستقبل بلا عقد ولا جروح.

كان غلاب واعياً تمام الوعي، بأهمية المصالحات للانتقال إلى شيء آخر، وبالتالي سواء في رصده اليومي للظواهر الاجتماعية من خلال زاويته "مع الشعب" أو في حديثه الثقافي الأسبوعي في "حديث الأربعاء" أو من خلال إعادة كتابته لتاريخ المغرب، وفي نصوصه السردية التخييلية، كان محكوماً بالرغبة في تحقيق مغرب جديد، خارج من ماضيه المتأخر، متطلع إلى مستقبل أكثر عدالة وكرامة.

ولن يتحقق ذلك كما يرى صاحب "قراءة جديدة في تاريخ المغرب العربي"، إلا بقراءة جيّدة للتاريخ، حتى لا تتكرر أخطاء الماضي وتفوّت الفرص، ولذلك اعتبر أن حركة الشباب في 20 فبراير حركة مشروعة، يجب أن تستقر على مطالب وبرنامج ليمرّ المغرب إلى شيء آخر، مغرب الكرامة والحرية و"التعادلية الاجتماعية" المنبثقة من فكر علال الفاسي.

اقــرأ أيضاً

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق محمود صادق.. ظلال الصحراء ونورها
التالى "المونديال المغاربي للمونودراما": محاولة أولى

ما رأيكم بالشكل الجديد للموقع؟

الإستفتاءات السابقة

إعلانات مدفوعة