السوق القديم

السوق القديم
السوق القديم

اشترت الجماعة بستاناً مسوّراً واعتمدته سوقاً. تحمل البضاعة على الظهر إن كانت من حارة الجماعة التي ابتاعت البستان. وإن كانت من الحارات المجاورة وظّفت الحمير. وعندما تبعد المسافات تتحرّك البغال وبعدها الجمال.

أما البضاعة التي تُحمل على الظهر فهي بعض اليقطين والبصل والبقول والنعناع. وحتى بعض البرسيم مما يزرع في البساتين. بل وهناك من البضاعة ما يقبض في اليد فحسب، مثل البيض والدجاج والأرانب. وقد تحمل بعض السلال فوق الرؤوس أو تلوى الحبال على الأيدي، وحتى الأعناق. كل أعضاء الجسد العُلوية تصلح للحمل والنقل. و يبقى الفم يصدح بالغناء.

البستان الذي اشترته الجماعة ما زال يحمل اسم صاحبه، والسوق الذي أقامته سمّي باسم صاحب البستان ولو ليس من الحارة. حاول الحكماء تسميات أخرى لكنهم لم يفلحوا في محو الاسم الأول. سيقاضينا حفدة البائع ذات يوم، يكرر الشيوخ.

حفر الرجال ثقباً في سور الحديقة سموه باباً. ضروري أن يكون هناك باب يقف أمامه صاحب المكس، يأخذ من كل شيء ويعشر كل شيء حتى من اليتامى والأرامل وذوي الحاجات الخاصة والمرضى، وحتى قبل البيع.

الحارات التي لا يمكن أن يسمع ساكنتها بالنداء يأتون إلى السوق الأوحد في الوادي على الحمير محمّلين بضائع تشبه كثيراً تلك التي تنتجها حارة السوق مع بعض الاختلاف في بعض المصنوعات الخشبية والحديدية التي تتقنها حارة واحدة أعلى الوادي، أو بعض الحلي الفضية التي يأتي بها اليهود.

في زاوية من السوق يوجد سوق النساء. محجبات لا يرى لهن سوى عين واحدة. يَعرضن المنسوجات والكحل والسواك وأخلاط من قشور الرمان والبرتقال الذي يسمّونه الزنبوع هناك.

يكاد يختلط كل شيء بكل شيء في السوق القديم، الحبوب والخضر والفواكه والثياب وحتى صاحب الشفنج، وهو نوع من الفطير يقلى في الزيت. لا يخرج عن السوق سوى معد الشاي الوحيد وموقف الحمير.

لم يعرف السوق نجاحاً لأنه بدون وليّ، قال لهم فقيه القرية. وحتى البضائع الكبرى من ملح وغيره لا تحل إلا عند الموسم السنوي لوليّ الحارة.

ذات مساء حل مهندس نصراني يحمل مسطرة وبيكاراً ومطرقة. وبدأ يرسم في الأرض رسوماً أفزعت ملاكي الأرض واعتصموا وأدخلوا السجن. هم ضد مصلحة القرية، قال معاون النصارى.

وقرّر النصارى بناء سوق جديد. وتغيّر كل شيء. صمموه رباعياً: مربعا للقمح والشعير والفول والذرة والصوف، وهو المجال الذي اختاره الحجام الوحيد لعرض صناعته لأنه نظيف كان يحلو له أن يقول. مربع آخر للحمير والبغال والجمال. وآخر للبقر والغنم والماعز. وفي الوسط الخضارون والعطارون وباقي البائعين، وحتى بعض المشعوذين وبائعي الفرجة.

وذات يوم نادى المنادي في رحبة الزرع أن حافلة ستحل في السوق. استنفرت القرية كلها لترى الحافلة. أعدت الأمهات الأكلات الخفيفة. وحلق الرجال رؤوسهم وألبسوا الصبيان جديد الثياب، وتزينت النساء ووضعن الورد في خدودهن.

ولما حل الصباح الموعود اصطف الناس وعلا البخور المكان وبدأ الحجام يصف لهم الحافلة؛ هي مثل غرفة الضيوف الطويلة تحملها عجلات أمتن وأقوى من عجلات عود الريح، هو الاسم الذي يطلقونه في القرية على الدراجة الهوائية.

ولكنها تمشي بدون دواسات علق المنادي، يسمونه البراح هنا. في بطنها مرجل يغلي هو الذي يغضب الجن الذي يسكنها ويجعلونها تمشي. هي ميكانيكا، ولا دخل للشياطين، عقّب مصلح الدراجات. يظن بتلفظه كلمة ميكانيكا يفسر شيئاً، علّق تلميذ. لا عليك هؤلاء المتمدرسون الأبالسة يفسدون كل شيء، رد الفقيه مسرعاً.

وصلت، نادى الذي في أعلى التل، إني أراها وأسمع هديرها. ونزل نحوهم مهرولاً.
اشرأبت الأعناق وتزاحمت الأجساد، وعلا اللغط المكان.
وصلت الحافلة وهرول نحوها الجميع. لكنها لم تتوقف. وملأ غبارها ودخانها المكان والناس. وجروا وراءها.
وما زالوا يجرون في رواية الفقيه.


* كاتب من المغرب

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق "تاريخ بعيد لأسيوط": كنوز أركيولوجية ومكب نفايات
التالى هذا أيضاً سيحدث

ما رأيكم بالشكل الجديد للموقع؟

الإستفتاءات السابقة

إعلانات مدفوعة