أخبار عاجلة
محمد طملية.. دون سائر الناس -
الصراف هنأ بالاستقلال: لن نتهاون مع أي عابث بالأمن -
تفاصيل حادثة إحراق سيارتين في المصيطبة وتوقيف الفاعل -
روحاني ينتقد الجامعة العربية ويصفها بالمنخورة -
وزارة المال تعمم حول إفادة بالمعاش التقاعدي -
كمالا إسحاق.. تاريخ المرأة في اللوحة -
7 معلومات تجب معرفتها قبل ليلة الأبطال النارية -
الزغبي: بداية تراجع “حزب الله” وبروز مؤشرات احتواء -

"صمود العقل".. حين سرقت النيوليبراليةُ التاريخ

لينكات لإختصار الروابط

يذكرنا الفصل الأول من كتاب سوزان نايمن، "صمود العقل"، الصادر مؤخراً عن دار إيكوين، ببعض ما كتبته الفيلسوفة الألمانية حنة آرندت في كتابها "الحقيقة والكذب في السياسة"، والذي تتعرّض فيه لدور الكذب في نظام ديمقراطي مثل النظام الأميركي، وخصوصاً ما يتعلق بكل تلك الأكاذيب التي روّجتها الإدارات الأميركية خلال حرب فيتنام، مؤكدة أن الحقيقة لا تحظى بمكانة جيدة في السياسة، وهي تقول: "يبدو أن الكذب ليس فقط من أدوات الديماغوجي، بل السياسي أيضاً ورجل الدولة".

من يقرأ كتاب سوزان نايمن (1955)، لن يستطيع سوى أن يقف على أوجه التشابه الكبيرة بين الأمس والبارحة، بين من خاضوا حرب فيتنام ومن خاضوا حرب ، ومن يهددون اليوم بخوض حروب جديدة. فلن تعدمهم كذبة جديدة. تذكرنا نايمن ببعض الأكاذيب التي رافقت الحملة الانتخابية للرئيس الأمريكي الحالي ، ومنها تلك التي عبر عنها بنفسه، باعتباره زعيماً لحركة Birther حول باراك أوباما ومن أنه لم يولد في الأميركية.

وتذكرنا المفكرة الأميركية ـ الألمانية أيضاً بالدمار الذي خلفته تلك الأكاذيب التي راجت حول صدام حسين وامتلاك العراق أسلحة الدمار الشامل، والتي تم ترويجها في الصحافة الأميركية من دون التأكد من صحتها. متسائلة: هل كان يمكن لداعش أن يظهر إلى الوجود لولا الغزو الأميركي للعراق؟

"
تفهم الفاشيةُ الحياة نفسها كحرب مستمرة
"

ترى نايمن أن ترامب وفريقه الانتخابي اعتمدوا عن عمد سياسة نشر الأكاذيب، وأن الأمر يتعلق باستراتيجية هدفت إلى خلق حالة من الجنون لدى الخصم. طبعاً، تقول نايمن، عمد السياسيون في الماضي دائماً إلى تأويل الوقائع بشكل مختلف، من أجل دعم موقفهم، لكن الأمر مع ترامب لا يتعلّق بممارسة تأويلية. إن الوضع يذكرنا برواية جورج أورويل 1984، كما تقول، مشيرة إلى أن أتباع ترامب ظلوا ينظرون إليه كرجل يقول الحقيقة كما هي، متهمين منافسته هيلاري كلينتون بأنها تفتقد إلى الأصالة.

وفي هذا السياق تذكرنا سوزان نايمن بكتاب أدورنو "رطانة الأصالة"، والذي اعتبر أن الأصالة لا علاقة لها لا بالوقائع ولا بالحقيقة، فالأمر يتعلق هنا دائماً بأسلوب، يريد أن يخلق المصداقية، حتى وإن كانت الوقائع مختلقة. وترى نايمن من جهة أخرى أنه من الخطأ الاعتقاد أن الفقراء ومن يتموقعون في أسفل السلم الانتخابي من صوتوا لترامب، بل إن أغلبية الفقراء صوتت لصالح كلينتون، كما أنها تشير إلى أن نصف من صوت لترامب يتجاوز دخلهم السنوي مائة ألف دولار، وأن 49 في المائة ممن صوتوا له يملكون ديبلوماً جامعياً، كما تعتقد أن أنصار حزب البديل في ألمانيا ليسوا أيضاً بالضرورة من المهمشين ومن ضحايا العولمة.

تعود سوزان نايمن في "صمود العقل"، لتضرب مثلاً من التاريخ الحديث، يتمثل في صعود الحزب النازي إلى سدة الحكم في ألمانيا. فهناك من يعتقد بأن النازية شكّلت انتقام الدهماء من نخبة فايمار، لكن العارفين بالتاريخ يدركون أن العديد من الأكاديميين الألمان انضموا إلى الحزب النازي، وبعضهم فعل ذلك لأنه اعتقد أن ألمانيا النازية ستكون حصناً منيعاً أمام البلشفية الروسية من جهة والنفعية الأنغلوساكسونية من جهة ثانية، ولربما يذكرنا "خطاب الجامعة" لهايدغر بهذا الأمر أكثر من غيره، وهو يعيد كتابة "كفاحي" برطانته الفلسفية، كما أوضح جاك دريدا في "سياسات الصداقة".

تشير سوزان نايمن - في معرض حديثها عن ترامب وسياسته - إلى بحث مهم أصدره أمبرتو إيكو في عام 1995، يتعرّض فيه للفرق بين اليمين التقليدي والفاشية الأصلية. معتبراً أن هذه الفاشية تتأسس على تناقضات كثيرة، وأنها ترفض كل شكل من أشكال التحديث، بل وتعتبر التنوير وسلطة العقل أصل البلاء، ولهذا هي في رأيه أيضاً لاعقلانية. فبالنسبة للفاشية الأصلية، كما سبق أن لاحظ ذلك أدورنو أيضاً، فإن الفكر تعدمه الرجولة والثقافة مشبوهة، والآراء الأخرى يتم وسمها بالخيانة. إن الفاشية الأصلية هي في نظر إيكو عنصرية، قومية وموجهة إلى الأعداء الخارجيين. إنها تفهم الحياة نفسها كحرب مستمرة.

لا تتوقف سوزان نايمن عند هذا الحد، بل يعتبر كتابها أيضاً هجوماً قاسياً على النيوليبرالية، من عهد ريغن وحتى عهد ترامب، مؤكدة أن ريغن وتاتشر هما من عبّدا الطريق لوصول شخص مثل ترامب إلى البيت البيض، بل وللبريكسيت أيضاً. فقد تبين أن تلك "اليد الخفية" للسوق الحرة، والتي زعموا أنها ستأتي بالثراء للجميع، لم تأت سوى بالفقر، وتسببت في استفحال الفوارق الطبقية.

لكن نايمن ترى أن هناك ما هو أخطر من نسيان جذور النيوليبرالية، وتعني بذلك ما تسميه: "نسيان تاريخ البدائل"، إذ جرى اعتبار النيوليبرالية النهاية الوحيدة الممكنة للتاريخ، وأضحت كلمة مثل الاشتراكية منبوذة حتى في أوساط اليسار. لقد نجحت النيوليبرالية في سرقة التاريخ، وسرقة اللغة أيضاً.

تستشهد نايمن بالفيلسوف الفرنسي برونو لاتور، ونقده الذاتي، حين اعتبر أن اليمين النيوليبرالي استغل مبدأ غياب العلمية، كما دافعت عنه ما بعد الحداثة، ليدعم مواقفه السياسية بخصوص قضايا واضحة، مثل قضية التغيّر المناخي. لاتور، الذي سيتساءل عن حق، إن لم يكن كثير مما درسه، كان خطأ.

وعلاوة على ذلك، ترى الفيلسوفة الأمريكية ـ الألمانية، أن الخطر الآخر المحدق بنا، هو أن الاحتجاج الناجع اليوم ضد السردية النيوليبرالية هو ذاك الذي يمارسه المتطرفون على اختلاف مشاربهم. لكنها لم تنجح في تحليل العلاقة العضوية بين العقل النيوليبرالي ولاعقلانية الاحتجاج، ربما لأنها اختارت في النهاية النموذج الكانطي كمصدر لسياسة تقدمية، ضد هيغل وماركس.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق "السحر في تونس": تفكيك الظاهرة كصناعة وانتشار
التالى حسين مجدوبي.. وصايا لعابري مضيق الهجرة

ما رأيكم بالشكل الجديد للموقع؟

الإستفتاءات السابقة