تأمل حفلة الأباطيل من خارج الحلبة

تأمل حفلة الأباطيل من خارج الحلبة
تأمل حفلة الأباطيل من خارج الحلبة

ذات يومٍ غرقت طفلة في صهريج على مرأى من مئات الشهود دون أن يبادر أحد منهم لانتشالها: "لربما هي مهاجرة"، يهمس الجمهور. في يوم آخر كانت قنبلة مختبئة في صندوق دمية أهداه سائق سيارة "محسن" لصبيين غجريين وانفجرت في يد أحدهما مسفرةً عن إصابتهما بجروح خطرة. وفي يوم ثالث صبّ جماعة من ذوي الرؤوس الحليقة سائلا سريع الالتهاب على فتاة غجرية وأضرموا فيها النيران. بيد أن الرأي العام للدار الأوروبية المشتركة المجيدة لا ينفعل، لا يشعر بصدمة. إنّ أحداثا من هذا القبيل صارت عادية وشيوعها المتكرر يحوّلها إلى أحداث تافهة.

لقد عششت الهمجية في نطاقنا النقي والمحايد ونتعايش معها. هل تعني شيئا للأوروقراطي فظائع كل من البوسنة والشيشان ورواندا؟ لامبالاتُنا حيال مصيبة الغير، ولو كانت مصيبة معيّنة وملموسة للغاية، لا تختلف عن اللامبالاة الخاصة بقرية نمل.

نحيا، مثلما أشار بودريار، ضمن نظام عالمي أناني، لا قيم له، مستغرقين في ثقافة مظاهر ليست في الحقيقة سوى ثقافة فراغ. هيمنة الحضور الإعلامي تجعله مبتذلا وتفسده. نطلع على كل الأحداث ولا يمسنا أيّ منها. وهناك يتموقع الأخ الأكبر، الذي كان جورج أورويل قد تنبأ بمجيئه، ساهرا بعناية على هذه الغفلة والكسل ويعبّئ قواه الجبارة لإبقائنا جامدين، فاقدي الإحساس، متجاهِلين.

وهكذا، ينزلق تعاقُب الكوارث التي تجتاحنا -العنصرية والكره للأجانب والقومية المتطرفة والحروب العشائرية إضافة إلى عمليات الإبادة البشرية والتطهير العرقي- على جلد التي أضاعت الايمان بمبادئها والصلة المثمرة القائمة بثقافتها ذاتها، أوروبا ترفض خائفةً المعايير والثقافات المغايرة لاعتبارها تهديدا كامنا ضد خلائها الأخلاقي المثقف وضد بدائله المصطنعة.

ومن ثمة، ففي فضاء تستحوذ عليه عقيدة جمع الأموال المقدسة وإحراز الرضا الفردي، يُشتبه بكل ما لا ينسجم مع ذلك ويوصف بأنه حجر لفاعلية النظام الاجتماعي أو عائقا معرقلا لتماسكه: إنّ عدم تكيُّف الغجر على الطرقات الجديدة الممهدة جعل منهم عناصر للشذوذ والفوضى في صميم مجتمعاتنا المحافظة الجوفاء.

لنعلننّه عاليا: لقد أصبح الشذوذ اليوم فضيلة لا بدّ منها وآخر عدة الإنسان المتعدد لمواجهة التخدير المتوحِّش الذي يحقنونه. أن يكون المرء غجريا يمثل صورة من صور الصمود إزاء حجر رحى الانتزاع الثقافي الطاحن وتجاه التبخّر التدريجي الذي تشهده صلاحية الاتفاقات والقوانين التي تعتمد عليها دول أوروبا التي يقال عنها إنها موحدة ومنظمة. الشعور بغجرية الذات يعني التماس حق الاختلاف في فضاء غير مبال وسوي، يعني دعوة إلى الترحال بدلا من التحديد الصارم للمكان، بل والمطالبة، في خضم الحضارة الكاذبة لرفاهية القليلين وبؤس الكثيرين، بإنسانية البشر المفقودة.

لستُ من هواة الجوائز والتكريمات لأنني عاجز عن تحديد نقطة الاتصال بين بريق الكتابة ولطفها وبين سلّم قيم لا يخصها، إنْ لم يكن معاديا للحافز الأوليّ الذي يثيرها.

وحينما بات فساد الطبقة السياسية النتن واقعا يلطخنا جميعنا يوميا في إسبانيا وخارجها، لا ينخدع بسذاجة حلم وجود "برناس" الشعراء مبني على قيمة العمل المكتوب باستقلال عن ضغوط المصالح المؤسساتية والتجارية؛ سوى من يرغب في انخداعه.

ما كتبه في أوانه كل من بلانكو وايت ولارّا وكلارين وباي إنْكَلان وثِرنودا عن محترفي الأدب ومنازلهم وطقوسهم لا يزال يحتفظ بمصداقيته القديمة. لقد كان كذلك ماضيا، وما زال حاضرا، وسوف يكون مستقبلا: ليس هناك، إذن، مبرّر للتأسف ولا لتمزيق الثياب. سأقتصر، كما يفعل آخرون وكما هو حال الكلب المسن ذي الخبرة الذي يتورّع عن العضّ والنباح، على تأمل حفلة الأباطيل من خارج الحلبة. عطيتُنا لشجرة الأدب منزهة عن أي مقصد. لا ننتظر شيئا عوضا عنها: لا نطمع في تشريف ولا في سلطة.

بالعكس، ما يحرك عواطفي حقا وما يصل مباشرة إلى أعماق قلبي هو "اعتراف المساكين" و"إجلال البسطاء" الذين ذكرهم مَن تفضلوا اليوم بتكريمي. ألم أكن أشعر نفسي بوجه من الوجوه، ومنذ بلغت الإدراك الكامل، غجريا معنويا؟ ألم يلهم كتابتي وحياتي استقلال النَّوَري وتسكعه الخصب، أي ازدواجيته السعيدة المؤلفة من الإخلاص ومن تشرّدٍ دام قرونا من الملاحقة والشقاء؟

لهذا، فلا أحسب استقبالكم إياي أخيرا عضوا في جماعتكم أمرا عابرا وشرفيا بحتا، وإنما أرى فيه اعترافا علنيا من جهة فئة بشرية أتعاطف مع صراعها -الدفاعي دوما- من أجل البقاء على قيد الحياة ومن أجل الاختلاف، والتي أوافق على معاييرها موافقة تامة إذ هي خليط منتج من الاستثنائية والعالمية.

إسبانيا وأوروبا خاليتان من الغجر ستمسيان أكثر رمادا وحزنا وستعدمان الروح والظرافة. إنّ الغجر وإخوانهم المهاجرون العرب والأفارقة الذين يقتربون بتواضع من أراضينا لأن أسلافنا وطئوا عنوةً أراضيهم، هم جميعهم النور والظل الخالقان للتباين الضروري، إنهم سُمرة البشرة التي تعسلنا وخميرة ما لا طعم له وملحه. يمثلون شعورا كنوع من الوجود الخيّر والبداوة والقابلية اللتين تستدعياننا. هم من العوامل المضادة للاختلال الأخلاقي والانغلاق على الذات، ويشكّلون الأبجدية الجديدة لكتابة مصير مغاير لذلك الذي صممه لنا مالكو العالم عن طريق الرسوم البيانية والحواسيب.


* نص الكلمة التي ألقاها الكاتب الراحل في تشرين الثاني/ نوفمبر 1995 بمناسبة استلامه جائزة Hidalgo (ذو المروءة) التي منحتها له "جمعية الحضور الغجري الوطنية" بإسبانيا.

** ترجمة عن الإسبانية: خوسيه ميغيل بويرتا

اقــرأ أيضاً

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

التالى حسين مجدوبي.. وصايا لعابري مضيق الهجرة

ما رأيكم بالشكل الجديد للموقع؟

الإستفتاءات السابقة